سهيلة عبد الباعث الترجمان
635
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
إذ حكم الذات في نفسها شمول الكليات والجزئيات ، والنسب والإضافات ، لا بحكم بقائها ، بل بحكم اضمحلالها تحت سلطان أحدية الذات ، فمتى اعتبر فيها وصف أو اسم أو نعت كان بحكم المشهد لذلك المعتبر لا للذات ، ولهذا قلنا أن الذات هي الوجود المطلق ولم نقل الوجود القديم ولا الوجود الواجب لئلا يلزم من ذلك التقييد ، وإلّا فمن المعلوم أن المراد بالذات هنا إنما هي ذات واجب الوجود القديم ، ولا يلزم من قولنا الوجود المطلق أن يكون تقييدا بالإطلاق ، لأن مفهوم المطلق ما لا تقييد فيه بوجه من الوجوه " « 1 » . ولما كان لذات واجب الوجود هذا المفهوم لدى الجيلي من حيث هي مطلقة وغير مقيدة ، فقد جعل من الوجود المطلق قضية هامة في مبحثه في وحدة الوجود ، حيث انصب اهتمامه على معرفة حقيقة هذا " الوجود المطلق " الكلي جملة وتفصيلا ، فكان بذلك المسألة التي سماها بمتعلقات العلم بما ليس بوجود قديم ولا بوجود محدث ، بل هو مجرد عن أي نسبة من قدم أو حدوث ، وهو ما أشار إليه المحققون في مؤلفاتهم العديدة ، لذلك يرى فيها حقيقة جامعة لكل الحقائق الحقية والخلقية في ذاته فيقول : " إن الوجود المطلق هو حقيقة الحقائق لأنه غير مقيّد أو منسوب إلى جهة حقيّة أو جهة خلقية ، فهي حقيقة ينسب إليها الوجهان على التمام والكمال ، فهي باعتبار وقوع النسبتين الضديتين عليها ليست بأحدهما ، فليست هذا فقط ، وليست ذاك فقط ، لأنها عين علمه منها . . . فسمّي هذا الوجود المطلق بحقيقة الحقائق . كذلك حقيقة سائر الحقائق الوجودية ، فهي المعبّر عنها بالعماء في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء « 2 » ، أي ليس للعماء نسبة فوقية يعبّر عنها الكمالات الإلهية ، ولا نسبة تحتية يعبّر عنها بالأوصاف الخلقية " « 3 » . وعلى هذا فإن نظرته لهذا الوجود نظرة واحدية معرّاة عن كل إضافة ، وليس وجود الموجودات فيه سوى تجليات هذه الذات الساذج ، لذلك
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 50 ، ( صبيح ) ، ص . ص 59 - 60 . ( 2 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 3 ) الجيلي ، حقيقة الحقائق ، ورقة 7 ، ص ب ، ورقة 8 ، ص أ .